زبال وأفتخر !

لطالما استحيت، وهربت، وكذبت احياناً عن إجابة السؤال الذي إذا أجبته، احتقرني الأصدقاء وقللوا من شأني، وابتعدوا عنى ! السؤال نفسه الذى إذا سألته للأخرين عند زيارتهم إلى منطقة سكنى، ليتخيلوا معي لو كان لهم نفس حظي فى الحياة !

غابت عقولهم فى حيرة خيالاتهم التى لا تهتدي إلى إجابة ! والإجابة المرة هى أني أسكن فى حي الزبالين ! الحي الذى تميزه الرائحة الكريها المنبثقة من القمامة التى تملأ الشوارع والمنازل ! الحي الذي نسكن فيه والبهائم معا!

فكيف لي أن أجيب عن السؤال وأقول أنى زبال، والمجتمع يصفه  بالمقزز، صاحب الملابس الكريهة،جامع القمامة !

لكن ربك يا صديقى لا ينظر إلى الوجوه والمظاهر، بل ينظر إلى القلب الأمين  والمتواضع ! إذ لكل شئ تحت السماء وقت:  فكبرت  ،وبلغت، وعرفت يقينا أن لمنطقتى وأهلى ووظيفتى  مكانة عظيمة لا غنى عنها في خدمة مصر. فمات اليأس وولد الفخر في قلبى  ! فنحن من ينظف مصر من القمامة، ونحن من بنينا أكبر كهف كنيسة فى العالم التى تجذب السائحيين من كل بقاع العالم . ولذلك كثر الحديث في الصحف والمجلات والتليفزيون متحدثا عن حي الزبالين !

مكانة الزبال

فذات يوم قالت لي سيدة بلجيكية الجنسية، أن مصر بدون الزبالين ستتوقف ! فإذا توقف عمل الزبالين عن جمع القمامة ،توقفت الحياة في مصر ! فأكثر من 15 ألف زبالا من حي الزبالين يجمعون كل يوم أكثرمن 18 ألف طن من القمامة من مدينة القاهرة وحدها ! وبحسب جريدة الجارديان : أن أكثر من 90% من القمامة يتم اعادة تدويرها مرة اخرة فى حى الزبالين، مما يفوق نسبة الشركات فى أوربا أربعة أضعاف ما ينتجون من أعادة تدوير القمامة ! وذكرت ليلى أسكندر: وزيرة البيئة سابقا ووزيرة تطوير العشوائيات حاليا لجريدة الجارديان :” أن أكثر من 150 مليون دولار دخلوا مصر عن طريق صناعة اعادة التدوير فى العقود الثلاث الماضية ! وأن حي الزبالين لا يعانى من البطالة على الرغم من ازدياد البطالة فى مصر ” .

ولكن للأسف، مازال الزبال لا قيمة له فى وطنه، وبدل أن يتم تكريمه على عمله الجليل فى نظافة البلد، يتم تهميشه وحرمانه من أبسط حقوق الحياة ! ففى عام 2003 تعاقدت الحكومة المصرية مع شركات أجنبية بملايين الجنيهات لجمع القمامة،  ومنع الزبالين من جمع القمامة ! وليس هذا فحسب، بل أيضا صدر قرار من الحكومة بأعدام كل الخنزير بحجة تفشى الفيروس الذى يدعى ” انفلونزا الخنازير ” مع العلم أن الصحة العالمية أكدت أكثر من مرة  أن لا علاقة للخنازير بتفشى الفيروس .

ومع قتل الخنازير، إزدادت أكوام القمامة فى شوارع القاهرة، لأن الزبالين كانوا يعتمدون على الخنازير كثيراً فى التخلص من المواد العضوية، فأصبح تراكم القمامة فى مصر كارثة، وارتفعت أسعار اللحوم  وقل السماد الزراعى . حتى وعد مرسى المرشح الأسلامى فى عام 2012،  أذا فاز بمقعد رئاسة مصر، سيتخلص من القمامة فى غضون 100 يوم حسب برنامجه الانتخابى وهو أمر لم يتم طبعا.

أتحدى أى شخص كان أن يزور حي الزبالين، ولا يتعجب من سر عظمة متساكنيه ! ولعل سر عظمتهم أنهم لا يؤمنون بالصدف و أن كل ما أنجز وتم كان بالصدفة، ولا يعتمدون على الحظ ! ولكنهم يؤمنون بأن لكل إنسان فى الحياة هدف، وعقل قادر على الإبتكار وتحقيق المستحيل، وروح لا تعرف إلا القوة .

فكيف لا تتعجب لشعب جعل من القمامة ثروة ووقودا؟

كنيسة القديس سمعان

لقد صنع متساكنو هذا الحي  صرحا سياحى عظيما هو كنيسة ” القديس سمعان “، والتي تقع  داخل كهف ضخم فى أسفل جبل المقطم .

وتتسع الكنيسة لأكثر من 20 ألف من المصلين , لتصبح بعد ذلك أكبر كهف كنيسة فى العالم،  حيث اختار مجلس كنائس العالم فى عام 2005، كنيسة حى الزبالين لتقام فيها يوم الصلاة العالمى من أجل العالم . ومازالت هذا الكنيسة صاحبة التصميم الجبلى الطبيعى تجذب الزوار من كل فئات المجتمع فى العالم : تجذب الوزراء، والسفراء ، وأصحاب السياسة والفن و الأدب  والمثقفين…ألخ

والعجب هنا أن هذا الدير السياحى يقع وسط حى الزبالين الملئ بالقمامة ! أليس فى هذا شئ من العجب ؟

حي الزبالين تحت مجهر الإعلام

وبقوة إرادتنا انتقلنا من  أشقى الناس إلى أعظمهم مكانة فى العالم ، وخصوصا فى وسائل الأعلام ! من صحف كالجارديان ، واشنطن بوس، ليموند , تايم مجازين,، لبغاسيون … ألخ . ومحطات الاخبار كسى ان ان , فرانس 24 , بى بى أس ..ألخ .

ومن أشهر الافلام عن حى الزبالين، فيلم ” احلام الزبالين ” الذى فاز بجائزة نوبل للسلام التقديرية التى تمنح للافلام التسجيليه فى كل عام !

أما عن أبناء حي الزبالين الذين أثروا فى من حولهم فنجد القمص سمعان صاحب فكرة بناء الدير ، وليلى أسكندر التى تولت منصبى وزارة البيئة سابقا ووزارة تطوير العشوائيات حاليا, والأم ماجى التى ترشحت بقوة لجائز نوبل للسلام عام 2012.

و أخيرا علمت أنه ليس بالمال أم بالحكمة أم بالقوة والمنصب، يفتخر الأنسان ! لأن  الله اختار الأميين ليخزى الحكماء، واختار  الضعفاء ليخزى الاقوياء ! وأختار  الزبالين الضعفاء ليجعلهم قدوة في قوة الأرادة وتحقيق الأحلام ! والأن لا استحى أن أجيب وأقول أنى زبال من حي الزبالين ، بل اقولها بصدق “أنا زبال وأفتخر “.

يسكن مكاريوس فى حى الزبالين التى تقع اسفل جبل المقطم فى القاهرة
يسكن مكاريوس فى حى الزبالين التى تقع اسفل جبل المقطم فى القاهرة

 

6 تعليقات على “زبال وأفتخر !”

    1. و أنا فى انتظار زيارتك المباركة الى حى الزبالين . بالتوفيق والنجاح سيدى الكريم !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *