مصر: عيد الموسيقى يشهد إنقراض موسيقى التراث

تشهد حديقة الأزهر-شرق القاهرة- طيل ليل الخميس سهرات غنائية بمناسبة عيد الموسيقى ال32 برعاية المعهد الفرنسي فى مصر، والذي يتزامن ككل سنة مع قدوم فصل الصيف. وتأتي الاحتفالات هذه السنة في وقت تواجه فيه موسيقى التراث والمغنى الشعبي المصري خطر الأنقراض .

وبهذه المناسة نظم المركز الثقافي الفرنسي على مدار شهر يونيو الفني ورش موسقية ومهرجان أفلام تحت عنوان ” الموسيقة والمجتمعات فى 3 أفلام ” .

عرب لطفى هي مخرجة لبنانية حاصلة على الجنسية المصرية. شاركت بفيلم مأخوذ عنوانه من أغنية مقاومة من تراث القنال أيام العدوان الثلاثي. “سبع ليالي وصبحية” هو فيلم عن عازفي وراقصي ومغنيّ السمسمية . 

وكانت عرب تشعر بحزن شديد بحال موسيقه السمسمية ومدينة بورسعيد أثناء القاء كلمة لها عن الفيلم للجمهور حيث تقول ” أنا لبنانية ولكني أعشق التراب المصري .. مصر بلد فريد عجيبة تضم ثقافات وألوان مختلفة من الموسيقة. ولكن مع الأسف، موسيقى التراث والمغنى الشعبي يختفى بسبب إهمال الدولة وعزوف الإعلام المستقل فى إحياء التراث الفني الذي يمثل هوية المجتمعات ” . وكان الفيلم وثائقي سجل  علاقة عازفى وراقصي ومغني السمسمية بمدينتهم بورسعيد وذكرياتهم.

عرب لطفي مع الناقد أحمد كالفت فى قاعة المعهد الفرنسي بالقاهرة
عرب لطفي مع الناقد أحمد كالفت فى قاعة المعهد الفرنسي بالقاهرة

وتحولت موسيقى التراث والمغني الشعبي من حفلات الأنس والطرب بين الناس إلى شاشات الأفلام الوثائقية والتسجلية لحفظ هذا التراث . وتشهد موسيقى التراث والمغني الشعبي مثل الموسيقة: النوبيه، الموال،المغنى البلدي، الزار،السمسمية، الواحية، الغجر،حفلات الذكر،والموسيقى البدوية .. إلى حالة غياب وتواجه خطر الإنقراض . ولهذا السبب يسعى بعض المثقفين من الفنانين إلى الإسراع فى توثيق وتسجيل هذا النوعيات من الموسيقى خوفا من انقراضها .

المكان 

أحمد المغربي هو واحد من القلائل المهتمين بتوثيق وتسجيل التراث المصري من الموسيقي . حيث أسس المركز الثقافى المصري للفنون باسم” المكان” لإحياء وتجديد موسيقى التراث والمغني الشعبي بالأضافة إلى جوالاتة فى كل بقعة من مدن مصر لتصوير الفنون الشعبية القديمة للحفاظ على التراث .

واستطاع المغربي أن يوثق تلك الفنون بالصوت والصورة على أمل أن يأتي جيل جديد يقدر أن يحي هذه الموسيقى من جديد، حيث قال المغربي ” أستطعت فى توثيق 28 الف جيجا بايت من الموسيقى بالصوت والصورة بخلاف التدوين والملاحظات. وأنا متأكد أن هذه الأرشيف سيساعد جيل جديد فى إحياء موسييقى التراث والمغنى الشعبي “

وجاءت فكرة تأسيس “المكان” بعد أن استطاع المغربي- البالغ من العمر 50عاما -فى تجميع فرق موسيقية متنوعة من محافظات مصر وتقديمها للجمهور عن طريق المراكز الثقافية الأجنبية فى مصر . ولكن رأي أحمد أن تلك الموسيقى يصعب تقديمه بشكل تقليدي على خشبة المسرح بالطريقة الأيطالية ” جائت فكرة المكان عام 2002 بعد أن أنتهيت من عرض موسيقى فى المركز الثقافي الإيطالي.. ورأيت أن من الأفضل تقديم عروض تلك الموسيقى بدون خشبة مسرح وتكون بقرب الجمهور . لأن هذا النوع من الموسيقى وخصوصا المغنى البلدي كان يغنى مع الناس فى جو من الأنس والحميمية .. ومن هنا جاءت فكرت “المكان” أن تقدم العروض بدون مسرح وتأثيرات صوتية”

راقصي فرقة مزاهر
راقصي فرقة مزاهر . تصوير : مكاريوس نصار

.يقع “المكان” أمام ضريح سعد زغلول بالمنيرة وسط القاهرة . وكان يستخدم مبني “المكان” كا مطابع لجريدة البلاغ القديمة التي أسسها عبد القادر باشا حمزة فى الخمسينات، وفى الطابق الثاني كان مكتب عباس العقاد . والأن تحول إلى مركز ثقافي للفنون يستقبل المصريين والأجانب كل اسبوع ليشاهدوا عروض حفلات الذكر والمغنى البلدي وحفلات الزار . ويهدف “المكان” لتوثيق وتسجيل موسيقى التراث، وإحياء وتجديد موسيقى التراث والمغنى الشعبي .

والجدير بالذكر أن أحمد المغربي عمل كاملحق ثقافي فى السفارة المصرية بباريس لمدة 3 سنوات قبل تأسيس ” المكان”،  الأمر الذي ساعده فى تقديم الفرق الموسقية “المكان” للكثير من الدول الأوربيه، حيث عمل أكثر من 40 ورشة موسقية فى أوربا لتجديد التراث والمأثور بالأضافة إلى إقامة حفلات كثيرة فى أوربا. وفى عام 2010 حصل على جائزة من جامعة أنديانا للموسيقى كاهم مؤسسة لحفظ التراث فى العالم العربي والأسلامي .

وتأتي المفارقة هنا أن المغربي حول الموسيقى التراث التي تواجة الأنقراض الى العالمية بفضل الدعم الأجنبي مع تجاهل وزراة الثقافة بمشروعه، ويري المغربي أن من أسباب تهميش موسيقى التراث والمغنى الشعبي هو إهمال الدولة وعزوف رجال الأعمال فى دعم التراث ،وتشويه الأعلام والقنوات الخاصة للفنون الشعبية حيث قال المغربي ” ذهب إلى رجل أعمال ما لتنشيط السياحة وعرض له فكرة مكان .. وبعدها رفض بحجة أن السائح الأجنبي لا يروق للموسيقة الشعبية المصرية ولا يفهمها.. أنه مستعد أن يدفع 200,000 دولار فى مغني أجنبية ولا يدفع 10 الألاف جنية لفرقة تقدم الفن المصري الأصيل من موسيقى التراث التي تمثل الهوية المصرية ” 

أم سامح رئيسة فرقة مزاهر لغناء الزار
أم سامح رئيسة فرقة مزاهر لغناء الزار فى “المكان” . تصوير : مكاريوس نصار

ويري أحمد المغربي أن فترة حكم السادات قضت على الثقافة فى مصر بسياسة الأنفتاح على السوق الغربي وأهمال المنتج الداخلي مما أدى إلى تقليد الغرب، وصعود الجمعات الإسلامية المتشددة التى تري أن الموسيقى والمغني البلدي حرام وهذا ما أختبره المغربي عندما كان طالب فى الجامعة ” فى يوم ما كنت أنا وزملائي الطلبة نقدم العروض الفنية من مسرح وطرب .. وبعدها هجمت الطلاب الأسلاميين المتشددين على المهرجان وحطموها والأمن يتفرج ولا يتدخل ” 

ومن الأسباب الرئيسية فى غياب الوعي الثقافى والفني فى مصر وتهميش موسيقى التراث هو غياب الطبقة المتوسطة التي بدوره الحفاظ على التقاليد وكل ما يتعلق بهوية الدولة فى أي مجتمع . والسبب الأخر أن الدولة لا ترغب فى ثقافة المجتمع حتى لا يهتموا بالأمور السياسية .

ويسعى أحمد المغربي بتأسيس مدراس للأطفال لتدريس وتعليم الأطفال على الألات الموسقية القديمة وحفظ المغنى البلدي ” أسست مدرسة بقرية شتانوف بالفيوم لتعليم الأطفال الفنون المصرية القديمة والذي لقى نجاح حتى الأن وأتمني لو أتوسع على مستوى المحافظات “

وعندما سألت رئيسة فريق مزاهر خمسينية العمر “أم سامح” التى تقدم عروضها الموسيقة فى المكان عما إذا كانت قلقة بشأن أختفاء موسيقى الزار قالت ” أنا حزينة جدا وأنا أغني الزار أمام الجمهور بالرغم أن تعبيرات وجهي لا يظهر ذلك.. ذلك لأن موسيقة الزار ستنقرض بسبب أنه لا يوجد جيل جديد تربي على تعليم وتسليم هذه الموسيقة”

بعض الأجانب الذين انبهروا بموسيقة فرقة مزاهر يلتقطون صور تذكارية مع أم سامح
بعض الأجانب الذين انبهروا بموسيقة فرقة مزاهر يلتقطون صور تذكارية مع أم سامح . تصوير: مكاريوس نصار

الألحان القبطية

وعلى النقيض، توجد موسيقى مصرية أستمرت حية أكثر من 2000 عام ولا تواجة تهديد الإنقراض بسبب تسليمها من جيل إلى جيل بعكس أنواع الموسيقى الأخرى، وهي الموسيقى أو الألحان القبطية . ولكنها ظلت ترتل داخل أسوار الكنيسة فقط على مر العصور ولا يعرفها الكثير من المصريين بالرغم انها ممتدة من الموسيقى الفروعنية لأنها تنطق باللغة القبطة .حيث تعتبر موسيقى الكنيسة القبطيةالبوابة الوحيدة لمعرفة موسيقى مصر القديمة، فشامبليون لم يستطع تأويل لغة مصر القديمة إلا بعد دراسته اللغة القبطية، حينما ثبت له أن الاقباط هم السلالات الممتدة لشعب مصر القديم.

وسر الحفاظ على الموسيقة القبطية  من جيل إلى جيل هي وظيفة “المعلم” أي الملقن المخصص بتحفيظ الألحان القبطية للأطفال فى مدارس الأحد على مستوى كل الكنائس فى مصر . وهذا يعتير جهد فردي معتمد على شخص المعلم وما حفظه من معلم قبله .

 ولكن يرى جورج كيرلس- أول فنان وباحث قبطي فى الموسيقى القبطية- عكس ذلك، ويريد أن يتخذ نهج مختلف عن فكر مؤسسة الكنيسة لحفظ الألحان القبطية للخروج بها خارج أسوار الكنيسة لعرضها للمصريين حيث قال كيرلس فى هذا الصدد ” الكنيسة القبطية مشكورا قامت بدورها لحفظ الألحان القبطية على مدار 2000 عام .. وبدون الكنيسة لكانت أختفت الألحان القبطية .. ولذلك جاء الوقت لإظهار هذه الموسيقى للجمهور فى مصر والعالم بشكل علمي “

جورج كيرلس يعمل كا مهندس ولكنة درس الموسيقة وحصل على الماجستير من أكادمية الفنون فى مصر ويعمل الأن أستاذ الموسيقة بجامعة حلوان . وعمل أول اوركسترا قبطي مكون من 4 فرق من الملحنيين والعازفين لموسيقى القبطية . والأن فى كل أسبوع يظهر على شاشة قناة سات7 وبرنامج “ما وراء الألحان” يرتل ويشرح فيها كل لحن من أكثر 1000 لحن، والخلفية التاريخية للحن، وأوقات تغمرة المشاعر والدفئ ويبكي .

” أستطعت أن أدرس الألحان القبطية بشكل دقيق وأكتبها بشكل ممنهج وعلمي حتى يستطيع للدراسين أن يدرسوها فى الجامعات “

الجدير بالذكر أن علوم “القبطيات” تدرس فى الجامعات الأمريكية وبعض الجامعات الأوربية ولكن لا يوجد قسم لدراسة الموسيقة القبطية لصعوبة فهم مقامات الألحان والخلفية التاريخية لها على حسب قول كيرلس .

جورج كيرلس وفرقة دافيد
جورج كيرلس وفرقة دافيد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *