أسبوع أفلام جوتة يكشف السم الحلو والمساعدة كا صفقة في أفريقيا

مكاريوس نصار من القاهرة

مازلت أتذكر- وأنا أحضرأسبوع أفلام جوتة هذا العام- تلك الأيام التي غيرت حياتي بالكامل من شخص عادي فقد الأمل والهدف قبل ثورة الشباب في مصر؛إلى شخص يرى أحلامه تتحقق معروف فى مجال عملة الصحافي. والسر هو معهد جوتة، بميدان التحرير القاهرة.

فقد ضاعت أحلامي قبل ثورة يناير بسبب تغيب الدولة للشباب بعيداً عن السياسة والتعليم، وكنت لا أعرف سوا لعب كرة القدم طوال عمري، ولا أملك شهادة جامعية ولا عمل عندما دخلت معهد جوتة لأول مرة في حياتي إبان ثورة الشباب عام 2011؛ حيث كنت جوعان للعلم والمعرفة والثقافة، الأمر الذي وجدته فى هذا المهعد الثقافي العريق الذي حفذني أن أبني لنفسي حلماً جديداً فى مجال الصحافة والإخراج. فأخذت هناك دورات تدريبة في السياسة وإخراج الأفلام القصيرة والتي تكونت معها شخصيتي الثقافية مع تعلم اللغات.

 وهذا ما أكدته السيدة يوهانا كيلر مديرة البرامج الثقافية بمهعد جوتة عندما تلاقيت معها فى” اسبوع افلام جوتة” من هذا الشهر الجاري؛ أن الشباب لهم دور أساسي فى التبادل الثقافي ودعمهم بالتعليم فى المعهد، حيث تقول ” معهد جوتة هو مكان للتبادل الثقافي بين المانية ومصر.. ومهم لتبادل الخبرات والأراء؛ وذات أهمية لمصر لبناء المواهب من الشباب وخصوصا فى مجال الأفلام “

 وعن الأفلام،”أسبوع أفلام جوتة” هو حدث يقام كل عام فى معهد جوتة بوسط البلد، ويعرض افلام وثائقية وروائية وأفلام قصيرة، ولكن هذا العام له مذاق مختلف حيث تشرح السيدة يوهانا وتقول” هذا العام مختلف عن كل عام، حيث قررت جوتة أن تعرض أفلامها فى محافظات عدة في مصر ومشاركة الجمهور خارج القاهرة كأول مرة في تاريخ جوتة”

 ويعرض أسبوع أفلام جوتة باقة مختارة من مستجدات الأنتاج السينمائي الألماني إلى جانب مختارات من إنتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، إلّا أن يوجد فيلم وثائقي مثير للأسئلة والجدل للمخرج الألماني بيتر هيلر؛ حيث يناقش الفيلم قضية المساعدات التنموية لقارة افريقيا.ويطرح فيلم ” السم الحلو-المساعدات كصفقة” تساؤلات كثيرة عن مدى استفادة الشعوب والمجتمعات الأفريقية من القروض والمنح والمساعدات الاقتصادية التي قدمتها الدول الأجنبية وتقدر ب 450 مليار يورو على مدى الأربعين عاما الماضية.. أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا وصلت المشكلات التنموية في القارة إلى ما وصلت إليه؟

السيدة يوهانا كيلر وهي تلقي كلمة بمناسبة افتتاح"أسبوع أفلام جوتة" هذا العام
السيدة يوهانا كيلر وهي تلقي كلمة بمناسبة افتتاح”أسبوع أفلام جوتة” هذا العام

مشاكل خارجية

يستعرض المخرج بيتر هيلر مع المثقفين والخبراء الأفارقة المشهد الأفريقي وأسباب ومشاكل التنمية في قارة أفريقيا بالرغم من النوايا الحسنة للدول المانحة والمساعدات التنموية، حيث يقسم الفيلم مشاكل أفريقيا  التنموية إلى خارجية وداخلية .

 وقضية المساعدات والقروض الخارجية تثير عدة تساؤلات، فهل بالفعل تقدم هذه المساعدات والقروض لدعم التنمية في الدول الأفريقية المستقبل لها، أم أنها تقدم لتحقيق أغراض خاصة للدول المانحة سواء لدعم بعض الأنظمة السياسية الأفريقية التي تحقق مصالحها أو كوسيلة لدفع الدول الأفريقية الفقيرة للمعونات لوضع سياسات تعزز من السيطرة الاقتصادية لهذه الأطراف الخارجية؟.

 ومن أهم هذه الأسباب، المساعدات الخارجية وأزمة الديون. فقد بدأت الدول الأفريقية في الاعتماد على المساعدات والقروض الخارجية منذ استقلالها وحصلت عليها من دول أجنبية من أوربا وأسيا وأميركا، ورغبة كل معسكر في استقطاب حلفاء له في القارة. وبعد انتهاء الحرب الباردة أصبحت المساعدات الغربية إلى دول القارة الأفريقية مساعدات مشروطة بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان.

 ولا شك أن الاعتماد على هذه المساعدات والقروض الخارجية يخلق قيدا من التبعية قد لا يمكن التخلي عنه، فقد اعتمدت دول القارة إبان الحرب الباردة على المساعدات التي كانت بمثابة مبدأ ثابت في علاقاتها مع القوى الخارجية واعتبرت أن هذا المبدأ سيظل ثابتا. لكن ذلك المبدأ تغير إلى آخر أكثر واقعية بدأت الولايات المتحدة التركيز عليه في إطار علاقاتها مع دول القارة، وهو مبدأ التجارة وليس المساعدات باعتباره أكثر ملاءمة لتحقيق مصالحها.

 والمصادر الرئيسية لهذه المساعدات والقروض تأتي من بريطانيا وفرنسا -كدول استعمارية سابقة تسعى إلى حماية مصالحها في أفريقيا- والولايات المتحدة واليابان والتي تسعى إلى تأمين وصول بعض المواد الخام إليها من بعض الدول الأفريقية، هذا بالإضافة إلى المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. وهذه المؤسسات بدأت منذ الثمانينيات في ربط قروضها ومساعداتها ببرامج التكيف الهيكلي التي تتضمن تطبيق سياسات الخصخصة وتخفيض التعريفات الجمركية على الواردات الغربية وتخفيض الدعم عن بعض السلع الأساسية، ثم بدأت تلك المشروطية الاقتصادية تقترن بالمشروطية السياسية التي تتطلب تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كشروط للحصول على المساعدات والقروض.

 وقد وصلت نسبة الديون في كثير من دول القارة إلى معدلات عالية, فارتفع متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في دول أفريقيا جنوب الصحراء من 51% إلى حوالي 100% خلال عامي 1982 و1992. ويمكن ملاحظة أن هناك عدة دول أفريقية يزيد حجم الديون على ناتجها المحلي الإجمالي ولا يوجد سوى عدد محدود من الدول التي تعتبر ديونها في مستوى التحكم.

 وتقول السيدة هيلر عن هذا الفيلم ” المساعدات التنموية حتى لو كانت بنواية حسنة، تدمر الأنتاج المحلي لتلك الدول وتبث روح التبعية والأتكال على المنح الأجنبية, وبالتالي لا تستطيع افريقيا أن تنوا وتتطور الى الأمام” 

 مشاكل داخلية

 ولا تنتج مشكلات التنمية الأفريقية من مصادر خارجية فقط حيث توجد عدة مصادر وأسباب داخلية للأزمات الاقتصادية الأفريقية، وهي التي لخصها تقرير البنك الدولي عام 1996 بالقول إن معظم الدول الأفريقية تعاني من أزمة في الحكم وكفاءة الدولة. فهذه الدول ينتشر الفساد في جهازها الإداري والسياسي حيث تنظر النخب الأفريقية لموقعها على أنه مصدر لإثرائها. كما تعاني بعض الدول الأفريقية من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي يؤثر في الأداء الاقتصادي. فبعد استقلال الدول الأفريقية دخل العديد منها في حروب أهلية حتى إن بعض الدول لم يتعد النمو السنوي في ناتجها الإجمالي 0.5% في الفترة بين عامي 1965 و1985. وما زالت الصراعات الأهلية دائرة في بعض دول القارة (جنوب السودان والكونغو الديمقراطية وأنغولا).

يضاف إلى ذلك عدم وجود القوة البشرية المناسبة لتحقيق التنمية نظرا لأنخفاض مستوي التعليم والرعاية الصحية في كثير من دول القارة. وهناك عدد من دول القارة مثل اثيوبيا وموزمبيق؛ ذاد إنفاقها على التعليم والصحة. ومن أخطر المشكلات الصحية التي تواجة القارة انتشار مرض الأيدز الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية أن حوالي 25مليون يعانون منه مما أدي إلى أنخفاض متوسط العمر المتوقع في خمس دول افريقيا أواخر عام 2000 إلى أقل من 40 عاما في دول مثل بتسوانا وملاوي وزامبيا وزيمبابوي.

 ومن ناحية أخرى تعاني معظم الدول الأفريقية من تدهور في بنيتها الأساسية لتنمية، ولدعم القطاعات الأفريقية التي ما زالت لا تحتل نسبة كبيرة من الدخل القومي بسبب عدم وجود عمالة ماهرة،ومحدودية الأسواق المحلية،وعدم توافر التكنولوجيا المتقدمة،مما لا يجعل القارة الأفريقية بصفة عامة مصدرا لجذب الاستثمار الأجنبي‘ والذي قدر عام 1998 بنحو 5% فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الموجهة إلى الدول النامية.

ولهذه الأسباب، أختار المخرج الألماني بيتر هيلر اسم الفيلم ليكيون “السم الحلو- المساعدة كاصفقة”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *