أرشيفات التصنيف: خواطر رجل قبطى

النجاح فى كلمة

الوقت هو قيمة الأنسان.. فإذا أهدرت وقتك فلا قيمة لك، وحينئذ تسكن التفاهة والفشل بيتك.

حيث قال سليمان الملك الحكيم فى هذا الصدد”إلى متي أيُّها الجُهّال تُحبّون الجهل،والمُستهزئون يُسَرّون بالاستِهزاء، والحمقى يبغضون العلم ؟

فلا تحتقر العلم وأطلب الحكمة وحول الماضي الفاشل إلى حاضر ناجح بقوة عزيمتك !

فقط أبدء الأن ..

خواطر رجل قبطى(1) : الأمير الحائر

هذهِ الكلمات التى تنزف دماً أكتبها من سجن زنزانتي ! اكتبها وأنا مكبل اليدين وظهرى المنحنى ملتهب يصرخ ألماً من شدة وقسوة السياط .. وقلبى المسكين مطعون بخنجر اليأس .. وصارت دموعى تنزف كقطرات دم دون أن تتوقف لحظة واحدة ولا طرفة عين …

أنا العبد .. ولكنى فى الأصل أمير !  أنا المقيد .. ولكني فى الأصل حر ! أنا القبيح .. ولكني فى الأصل جميل ، أنا الأن لي اسم اني حى ولكنى ميت ! آآآه على حالى فهذا ما كان على بالى !

فأنا ما أنا .. أنا قد تاه وضل الطريق وقدرى الحسرة والضيق !
بعد ما كنت أسكن فى النور ، أجلس الأن فى الظلمات .. وبعد ما كان الكون كله بيتى ، اصبحت محدود الحركة بخطوة أو خطوتان على حسب طول سلسة قيودى بين أربعة جدران فى سجن تملئه الجرذان .. أصرخ ولا احد يستجيب .. أبكى ويدى لا تقدر أن تعلوا لتمسح دموعى بسبب  طول سلسلتى القصير.. دائما جوعان وعطشان ولا معين لأنى سجين !

حقا أنا السبب ..آه لوكنت سمعت لكلام أبى الملك وألتزمت بوصياه .. كنت مازلت حراً من كل الأشياء . كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا ! حقا كم أنا غبى ولا أستحق النعمة . ياليت الزمن يعود ويرجع  إلى الوراء قبل أن أختار إختيارى الملعون المشؤوم المميت .. ولكنه كان خيارصعب وفيه غموض يبعث بالأسرار .. خيار غير مألوف ولا سمعت عنه من ذى قبل .. ولست أدرى أذ ينطبق علية كلمة خيار أم لا .. فهو ليس خيار بين شيئان أو اكثر, ولكنه كان خيارا بين شيئا واحدا .. نعم شيئا واحد .. شيئا واحدا لا اكثر ولا أقل !

ولا يدل أن هذا الخيار كان إجباريا لكونه إختيار بين شيئا واحد , ولكن كان خيارا بين شيئا واحدا فى داخله يحتوى على طريقان مفترقان عكس بعضهما .. وهذا الشئ الوحيد المختار هو الحرية!

والحكاية أنه فى يوم عجيب جاء أبى الحبيب وقالى لي : يا أبنى الحبيب ووريثى الوحيد .. لقد جاء الوقت المهيب لتختار الطريق .. فعليك أن تختار الأختيار الوحيد .. بين الحرية.. أم الحرية !!

فقلت لأبي الملك بأستغرابا شديد : بين الحرية.. أم الحرية ! ولكنها نفس الكلمة! .. نفس الحروف .. ونفس النطق ! أين فى ذلك الأختيار ؟!

قال أبى الحكيم : أنظر وتأمل طبيعة مملكتى وأنت تفهم .. الإنتماء والتكريس والنذر هما تاج الحرية ! فالقمر ينتمى للشمس والشمس يضئ القمر .. والشمس والقمر كلاهما ينتميان إلى الأرض ، والأرض ينتمي إليهما ويسلك فى مسار مخصص لا يحيد عنه . فالشمس تشرق وتغرب والقمر يضيئ ويتلالأ والأرض تدور وتتنوع فصولها .. نهارا وليلا .. صيفا وخريفا وشتاءا وربيعا .. ورأيت أن هذا حسنا جدا وجميل !

وعملت الأمر نفسه على الأرض .. حيث جعلت يا ولدى الأمير الحرية متجسدة فى الكائنات الحية : الزوجة نذيرة الى زوجها ،والفلاح ينتمى إلى إرضه ، والجندى مخصص الى جيشه ،والراهب مكرس الى ربه .. فالتكريس والتخصص والنذر هما دستور مملكتى والحرية لكل من أتبع طريق التكريس والإنتماء !

وأكمل أبى الملك حديثه قائلا: ها إنى قد جعلتك يا أبنى العزيز متسلط على كل الأشياء فى مملكتى ولايعوزك شئ من حنانى وسلطانى ، والكل ينحنى إليك من شعبى وتحت مجدك وبهائك .. فا أنت أبنى ووريثى الوحيد !

وها قد جعلتك يا أبنى الوحيد .. وحيدا فى كل شيئ .. فا أنت الوحيد فى مملكتى له حق الاختيار .. فكل الأشياء فى مملكتى لا تمتلك إرادة الاختيار .. وانت الوحيد فى مملكتى له عقل ليبتكر ويخترع به .. وانت الوحيد فى مملكتى يتمتع بالحرية ويميز بين الخير والشر .. وانا يا ابنى الوحيد أحترم حريتك مهما كان أختيارك ! ..

وها أنا قد جعلت أمامك طريقان : طريق الجهل والحكمة ،وطريق الموت والحياة .. فأختار الحياة فتحيا ؟! …

فوجدت لسانى يتحرك ليقاطع كلام أبى المقدس داخل القصر العظيم وكأن كل الأشياء داخله وخارجه توقفت فجأة لتنصت ما عسى أن أقوله لأبى المقدس .. فقلت : ولماذا يا أبى الملك جعلتنى الوحيد صاحب العقل والأرادة والحرية فى الاختيار ؟!

-لأن محبة أبدية احببتك ،لذلك أدمت لك الرحمة !

وبعدها أنصرفت من أمام وجه الملك ذاهبا الى غرفتى وانا فاقد الحس والأدراك بالأشياء من وهلة الحديث مع أبى الذى كان سيف قاطع ..قطع بين طفولتى وشبابى ! فتحت الباب وجلست على كرسي المتأرجح أفكر فى حديثى مع الملك .. وأخذت أتأرجح بالكرسي مائلا للوراء تارة وللأمام تارة ..وأصابع يدى مشغولة بخصلات شعرى الأسود الطويل .. وقطتى السمراء تقفز على حجرى تلعب وتنونو . وفجأة أنفتحت أبواب نافذة الغرفة بقوة وبصوت صارخ من شدة الرياح  ،حيث تجمعت السحب وهب الرياح وأنحجبت الشمس وراء السحب وأنبثق اصوات البرق ونزل المطر .. 

كل هذا كان يحدث وأنا أفكر وأفكر وأفكر وأردد ما قاله أبي : جهل وحكمة .. موت وحياة ! 

وفجأة توقفت عن الحركة بالكرسي المتأرجح .. وتوقفت معها اصوات البرق وسكنت الرياح وتوقف المطر وغادرت قطتى حجري .. ولا حظت أعصاب ارادتى تحرك اعصاب لسانى لتقول : لقد قررت أن اختار .. جاء وقت الأختيار .. والأن عليا أن اواجة أبي الملك لأبلغه بأختيارى ..

وهنا انتظرنى عزيزى القارئ الكريم لأستكمال القصة فى الجزء الثانى إن شاء الله .